“نحن لا نختار من نستحق، بل نختار من نعرفه.”
هل تنجذب للمؤذي؟ علم النفس يشرح لماذا نختار الشركاء الخطأ
مريم، في السابعة والثلاثين من عمرها، تجلس في غرفة معيشتها بعد انتهاء علاقة أخرى مؤلمة. تنظر إلى صورتها في المرآة، وتسأل نفسها السؤال الذي تكرر كثيراً: "لماذا أكرر هذا؟ لماذا أنجذب دائماً للرجل الذي يؤذيني؟" كان كل شريك جديد يبدو مختلفاً في البداية، لكن النهاية كانت واحدة: خيبة أمل، ألم، وشعور بأنها فقدت جزءاً من نفسها.
قصة مريم ليست فريدة. كثير منا يجد نفسه في دائرة مفرغة من العلاقات المؤلمة، وكأن هناك قوة خفية تدفعه نحو الأشخاص الخطأ. قد يكون هذا الشعور محيراً ومؤلماً، لكن العلم النفسي يقدم تفسيرات عميقة لهذه الظاهرة. في هذا المقال، سنستكشف الأسباب النفسية التي تجعلنا ننجذب للمؤذي، وكيف يمكننا كسر هذه الدائرة واستعادة حياتنا.
🧠 لماذا نكرر نفس الأنماط؟ التكرار القهري والاختيار اللاشعوري
لفهم سبب تورطنا المتكرر في علاقات مؤذية، علينا العودة إلى مفهوم "التكرار القهري" (Repetition Compulsion). هذا المفهوم، الذي صاغه سيغموند فرويد في عام 1920 في كتابه "ما وراء مبدأ اللذة"، يشير إلى ميل الإنسان اللاواعي لإعادة تمثيل أنماط مؤلمة من الماضي، محاولاً إعادة كتابة التاريخ والحصول على نهاية مختلفة[reference:0][reference:1].
كما أوضحت الأبحاث، "الإنسان يكرر دون وعي أنماط العلاقات المؤلمة التي عاشها في الماضي، محاولاً السيطرة على ما لم يستطع السيطرة عليه حينها"[reference:2]. هذا التكرار ليس مجرد صدفة، بل هو محاولة من العقل الباطن لشفاء الجروح القديمة، لكنها غالباً ما تنتهي بنفس الألم.
هذا يرتبط مباشرة بمفهوم "الاختيار اللاشعوري" الذي ناقشناه في مقالات سابقة. أدمغتنا تختار ما هو مألوف، وليس ما هو صحي بالضرورة. إذا نشأنا في بيئة كان فيها الحب مشروطاً أو مؤلماً، فسنبحث عن هذا النمط في علاقاتنا البالغة، لأنه ما نعرفه. الوعي بهذه الآلية هو الخطوة الأولى للتحرر منها.
🧩 عوامل الجذب الخفية: لماذا يبدو المؤذي جذاباً؟
هناك عدة عوامل نفسية تجعل الشخص المؤذي يبدو جذاباً، خصوصاً لمن لديهم أنماط معينة:
أنماط التعلق غير الآمنة: يميل الأشخاص ذوو التعلق القلق إلى الانجذاب نحو ذوي التعلق المتجنب في علاقة "تجنب قلق"[reference:3]. فالأول يبحث عن القرب والطمأنينة، والثاني يمنحه مسافة وعدم يقين، مما يخلق ديناميكية من المطاردة والهروب تظن خطأً أنها شغف[reference:4]. في البداية، قد يبدو المتجنب "هادئاً" و"مستقلاً"، بينما يبدو القلق "متفانياً" و"مهتماً"[reference:5]، لكن هذه الديناميكية سرعان ما تصبح مرهقة للطرفين.
الإسقاط النفسي: كما أوضحنا في مقال العلاقة كمرآة لجروحك القديمة، نميل إلى إسقاط صفاتنا المكبوتة على الآخرين. قد ننجذب لشخص يمتلك صفات نرفضها في أنفسنا، أو نرى في شريكنا ما نتمنى أن نكونه. هذه الآلية تجعلنا نرى في المؤذي ما نريد رؤيته، ونتجاهل ما هو واضح.
الترابط الصادم (Trauma Bonding): يحدث عندما يتناوب الشريك بين المكافأة والعقاب، مما يخلق إدماناً عاطفياً[reference:6]. كما توضح الأبحاث، "في علاقة مليئة بالإساءة، يستخدم المعتدي الخوف والإثارة والجذب الجنسي لربط الضحية به، مما يجعل من الصعب عليها المغادرة"[reference:7]. هذا التناوب يخلق دورة من الأمل والألم، تشبه الإدمان على المخدرات، حيث يظل الضحية مرتبطاً بالشريك رغم الألم.
🚩 ٧ علامات تدل على أنك في دائرة جذب المؤذي
كيف تعرف أنك عالق في هذه الدائرة؟ ابحث عن هذه العلامات في نفسك:
🛠️ ٥ خطوات لكسر دائرة جذب المؤذي
التحرر من هذه الدائرة ممكن، لكنه يتطلب وعياً وجهداً. إليك خطة من 5 خطوات:
🌍 بين النفسي والاجتماعي: نظرة شمولية
جذب المؤذي ليس مجرد مسألة فردية، بل هو نتيجة تداخل عوامل نفسية واجتماعية:
- ▸ الجانب النفسي: أنماط التعلق، التكرار القهري، تدني احترام الذات، والإسقاط النفسي كلها عوامل تجعلنا عرضة للانجذاب للمؤذي.
- ▸ الجانب الاجتماعي: التربية، والرسائل المجتمعية عن الحب، وتطبيع العلاقات السامة في الثقافة الشعبية، كلها تساهم في تشكيل تصوراتنا عن العلاقات الصحية.
- ▸ الجانب البيولوجي: التناوب بين المكافأة والعقاب في العلاقات السامة يخلق استجابة شبيهة بالإدمان في الدماغ، مما يجعل الانفصال صعباً.
💫 العودة إلى مريم: بداية جديدة
بعد قراءة هذا المقال، جلست مريم مع نفسها. لأول مرة، لم تلوم نفسها على علاقاتها الفاشلة. بدلاً من ذلك، نظرت إلى أنماطها بفضول، ليس بانتقاد. أدركت أنها لم تكن تختار المؤذي بوعي، بل كانت تكرر ما تعرفته في طفولتها. هذا الوعي كان مفتاح تحررها.
بدأت مريم رحلتها العلاجية بخطوات صغيرة: قرأت عن أنماط التعلق، بدأت جلسات علاج نفسي، وتعلمت وضع حدود. شعرت بالخوف أحياناً، لكنها استمرت. مع الوقت، بدأت تجذب أشخاصاً مختلفين، أشخاصاً يحترمونها ويدعمونها. أدركت أن التحرر من دائرة جذب المؤذي ليس عن إيجاد الشخص المناسب، بل عن أن تصبح أنت الشخص المناسب لنفسك.
"أنت لا تختار من تحب فقط، بل تختار من يعكس علاقاتك القديمة. الوعي يمنحك القدرة على اختيار مختلف."
🔗 اقرأ المزيد في مدونتنا:
الاختيار اللاشعوري في العلاقات | كيف تبني احترام الذات بعد علاقة مؤذية | العلاقة كمرآة لجروحك القديمة | الترابط الصادم: العلامات وكيفية التحرر
No Quit | علم النفس والعلاقات